محمد جمال الدين القاسمي
465
تفسير القاسمي ( محاسن التأويل )
يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ ونحوه من الآيات . ولا حجة لهم فيه . لأن القرآن واجب أن يحمل على ظاهره ، كذلك كلام رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم . ومن خالف ذلك كان عاصيا للّه عزّ وجلّ ، مبدلا لكلماته ، ما لم يأت نص في أحدهما ، أو إجماع متيقن ، أو ضرورة حسّ على خلاف ظاهره ، فيوقف عند ذلك . ويكون من حمله على ظاهره حينئذ ناسبا الكذب إلى اللّه عزّ وجلّ ، أو كاذبا عليه وعلى نبيّه عليه السلام ، نعوذ باللّه من كلا الوجهين . وإذ قد بينا قبل بالبراهين الضرورية ؛ أن الحيوان ( غير الإنسان والجن والملائكة ) لا نطق له . نعني أنه لا تصرف له في العلوم والصناعات . وكان هذا القول مشاهدا بالحس معلوما بالضرورة ، لا ينكره إلا وقح مكابر لحسّه ، وبينّا أن كل ما كان بخلاف التمييز المعهود عندنا ، فإنه ليس تمييزا . وكان هذا أيضا يعلم بالضرورة والعيان والمشاهدة - فوجب أنه بخلاف ما يسمى في الشريعة واللغة نطقا وقولا وتسبيحا وسجودا . فقد وجب أنها أسماء مشتركة اتفقت ألفاظها . وأما معانيها فمختلفة ، لا يحل لأحد أن يحملها على غير هذا . لأنه إن فعل كان مخبرا أن اللّه تعالى قال ما يبطله العيان والعقل الذي به عرفنا اللّه تعالى ، ولو لاه ما عرفناه . فاللفظ مشترك والمعنى هو ما قام الدليل عليه ، بيان ذلك : أن التسبيح عندنا إنما هو قول ( سبحان اللّه وبحمده ) وبالضرورة نعلم أن الحجارة والخشب والهوامّ والشحرات والألوان لا تقول ( سبحان اللّه بالسين والباء والحاء والألف والنون واللام والهاء ) هذا ما لا يشك فيه من له مسكة عقل . فإذ لا شك في هذا ، فباليقين علمنا أن التسبيح الذي ذكره اللّه تعالى هو حق وهو معنى غير تسبيحنا نحن بلا شك . فإذ لا شك في هذا فإن التسبيح في أصل اللغة هو تنزيه اللّه تعالى عن السوء . فإذ قد صح هذا ، فإن كل شيء في العالم بلا شك منزّه للّه تعالى عن السوء الذي هو صفة الحدوث . وفي العالم شيء إلا وهو دالّ ( بما فيه من دلائل الصنعة واقتضائه صانعا لا يشبهه ) على أن اللّه تعالى منزه عن كل سوء ونقص وهذا هو الذي لا يفهمه ولا يفقهه كثير من الناس كما قال تعالى : وَلكِنْ لا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ فهذا هو تسبيح كل شيء بحمد اللّه تعالى بلا شك . وهذا المعنى حق لا ينكره موحد . فإن كان قولنا هذا متفقا على صحته . وكانت الضرورة توجب أنه ليس هو التسبيح المعهود عندنا ، فقد ثبت قولنا وانتفى قول من خالفنا بظنه . وأيضا فإن اللّه تعالى يقول : وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلكِنْ لا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ والكافر الدهريّ شيء لا يشك في أنه شيء وهو لا يسبح بحمد اللّه تعالى